samedi 30 mai 2026

سلام عليك يا نار أبي الجزء 2

فصل :بين ألسنة اللهب و عمق الذاكرة

سمّاتني عمة امي فطومة رحمها الله أشرف

كأنها كان تتمنى لي الشرف والزيادة فيه.

لم يعلم يومها أحد أن الشرف الحقيقي لا يُمنح، بل يُستخرج من تحت رماد الذاكرة.


وأنا اليوم أكتب هذه السطور، ليس لأني نسيت، بل لأني تذكرت كثيراً.

تذكرت حتى النسيان نفسه.

تذكرت أن ذاكرتي ليست وعاءً، بل هي حقل ألغام.

كل خطوة فيها تفتح جرحاً قديماً، وكل جرح يبعث دخاناً كثيفاً... كثافة أدخنة مكب الزبال، وكثافة دخان نار أبي

يقول طه حسين في "الأيام": 

"كان طفلًا يشعر بالضيق والألم، ولكنه لا يعرف سبب هذا الضيق وهذا الألم".


أما أنا، فعرفت السبب مبكراً.

عرفت السبب وأنا أبحث بين القمامة.


كان عمري إحدى عشرة سنة، أو ربما اثنتي عشرة.

لا أتذكر العمر بالضبط، فالسنون عند الفقراء ليست أرقاماً، بل هي مراحل من الجوع.

لكنني أتذكر المكان: مكب ولاية صفاقس.

أتذكر رائحته التي لا تشبه أي رائحة في الدنيا. رائحة خليط من البلاستيك المحترق، والخضار المتعفن، والحديد الصدئ، وفضلات المصانع.

وفي قلب هذه الرائحة، كنا نحن: أطفال الفقراء، و آبائهم " البرباشة" 


البرباشة... كلمة صفاقسية جميلة. هههه

تعني كل ما تخلص منه الناس مما يمكن استعماله ثانية: قطع قماش من معامل الخياطة، أزرار، خيوط، أحياناً ألعاب مكسورة، وأحياناً أحذية ممزقة.

كنا نجمعها لنبيعها أو نستعملها.

كانت أمي تستعملها لترقيع ثيابنا، وأحياناً لتصنع لنا شيئاً نلبسه.


أنا لا أخجل من هذا. الآن لا أخجل.

لكنني يومها كنت أخجل.

كنت أخجل أن يراني أحد من زملاء المدرسة وأنا أخرج من المكب.

كنت أخجل أن تعرف سيدتي "ليليا" أن تلميذها يبحث في الزبالة.

كنت أخجل من الاسم الذي يحمله أبي: "مزيد".

 ونحن نبحث في الزبالة؟

لكن الحقيقة أن "عالم البرباشة" كان مدرستي الأولى.

هناك تعلمت أن الدنيا لا ترحم.

هناك تعلمت أن البشر ينقسمون إلى قسمين: من يرمي، ومن يُرمى له.

هناك تعلمت أن قيمة الأشياء ليست في جوهرها، بل في حاجة الناس إليها.


وقديماً قال الجاحظ: "الآفة الكبرى أن تحتاج إلى ما عند الناس".

وأنا يومها كنت 

محتاجاً إلى كل شيء عند الناس.

من ينقذ طفلاً من المكب؟

لا أحد. إلا معلمة تؤمن بأن هذا الطفل يمكن أن يصبح شيئاً آخر.


سيدتي ليليا.

ما زلت أذكرها كأني أرها الآن.

محجبة في زمن كان فيه الحجاب ممنوعاً في المدارس.

كانت تراقبها الرقابة، وكانت تصلّي سراً، وكانت تخاف الله ولا تخاف الناس.


حين رأتني في صفها بالسنة السادسة ابتدائي، لم ترَ طفلاً فقيراً يبحث في الزبالة.

رأت طفلاً ذكياً يضيع في وحل الظروف.

فقررت أن تنتشلني.


وكانت طريقتها في الإنقاذ عنيفة بعض الشيء: البركال الخشبي.

نعم... بركالها الخشبي الذي كانت تحمله كالسيف.

كانت تضربني به إن لم أحفظ قواعد اللغة.

وكانت تضربني به إن أخطأت في الإملاء.

وكانت تضربني به حتى أتذكر أن الفقير عليه أن يكون أفضل من غيره ليُقبل في هذه الحياة.


لكن العنف لم يكن كل شيء.

كانت تصنع لي الفشار كي لا أملّ من الدروس الخصوصية المجانية

كانت تضع صحناً من الغلال أو الحلويات إلى جانبي.

كانت تستقبلني في ڨراج منزلها، بعيداً عن أعين الرقابة التي تمنع الدروس الخصوصية.


وأنا كنت أحاسب أضعاف زملائي.

عقابان: واحد في القسم، وآخر في الڨراج.

لكنني كنت أعشق تلك العقوبات.

لأنها كانت تعني أن أحداً يهتم بي.

أن أحداً يرى فيّ مستقبلاً.

أن أحداً لا يريدني أن أبقى في المكب.


يا سيدتي ليليا...

أين أنت الآن؟

لقد كبرت ذاكرتي ووهنت، وبدأ الشيخوخة تتسلل إليها.

لم أعد أحفظ ما كنت تحفظينه لي.

البقرة وآل عمران بدأتا تتساقطان من رأسي كأوراق الخريف.

القرآن الذي أتممت حفظه يهرب مني كلما تقدمت بي السنون.

لأن الذاكرة لا تحتمل كثيراً... ولا تحتمل دخان الماضي الكثيف.


فليتكِ هنا الآن... ومعك بركالك الخشبي.

لتضربني به على رأسي.

لعل الضربة تعيد إليّ ما استلبته مني النار.


لعل الألم يذكرني بالكلمات التي هربت.

لأنني صرت أعرف الآن:

الألم مدرسة، والبركال معلم، وسيدتي ليليا هي أعظم من علمني أن أنجو.

صرخت: "هاتوا ماء! هاتوا سطل ماء"

لكن الماء لا يأتي بسرعة.

والنار أسرع من الدعاء.

وأبي يتدحرج على الأرض، والنار تأكله.

وأنا أركض خلفه... وأحاول أن ألمسه... فأحترق أصابعي.

وأختي تصرخ من النافذة... وأمي لا أدري أين ذهبت.

والناس... لا أدري من أين أتوا... يتجمعون كالذباب على جثة لم تمت بعد.


ذلك اليوم... صباح ذلك اليوم... كنا نبحث عن حجارة لترقيع جدار.

وذلك المساء... كنا نبحث عن حياة لترقيع روح.

ومضات حياة و ذاكرة ليس لها حق شرعي

في اليوم الموالي هو أول يوم في الأسبوع المغلق للسنة التاسعة اعدادي

قيل لي: "أبوك في المستشفى، لكن الامتحان لا ينتظر".

ذهبت إلى المعهد.

كنت أمشي في الشارع... وأشعر أن ألف عين تنظر إلي.

ليس تعاطفاً... بل فضولاً.

كلهم يريد أن يعرف: "كيفاش صارت الحكاية؟"


في الحافلة، كان الركاب يتغامزون ويتنابزون.

محطة دارنا... المعهد... قاعة الامتحان.

في كل مكان، أشعر أنني تحت مجهر.

حتى وأنا جالس على طاولة الامتحان، كنت أشعر أن الأسئلة في الورقة أقل فضولاً من نظرات الناس.


ثم جاء "الروج" - القيم العام للمعهد.

أخرجني من القسم.

سألني: "لاباس بوك تو؟"

قلت: "لاباس".

قال: "وانت لاباس؟"

قلت: "لاباس".

ثم وضع يده على كتفي: "يالا... ما تعملش شين في بالك... اتلهى بامتحانك".

عدت إلى القاعة.

أمسكت القلم.

لكن يدي كانت ترتجف.

ليس من الخوف من الامتحان... بل من الذاكرة التي كانت تصر على أن تريني وجه أبي وهو يحترق.


امتحنت ذلك اليوم.

لا أذكر كيف كانت النتيجة.

لكني أذكر أنني كتبت في ورقة الإجابة كلمات لا علاقة لها بالأسئلة.

كتبت: "أنا أشرف مزيد... وأبي يحترق... فماذا تريدون مني؟"

ثم شطبتها.

وكتبت الإجابات الصحيحة.

لأن سيدتي ليليا علمتني أن النجاح هو أقوى انتقام من الظروف.


في أصول العقيدة 

نقول: إن العبد يكسب الفعل، والله يخلقه


هذا الكلام جميل ونظري.

لكنه يصعب تطبيقه وأنت ترى أباك يحترق.

كنت أسأل نفسي في المستشفى: "هل الله خلق هذا الاحتراق؟"

وكنت أجيب: "نعم، بقضائه وقدره".

ثم كنت أسأل: "فلماذا يؤاخذ أبي على محاولة الانتحار؟ أليس الله هو الذي خلق فيه الرغبة في الانتحار؟"

وكنت أتوقف.


لا يمكنني أن أجيب.

لا يمكنني أن أقول: "الله فعل ذلك". لأن في هذا تبرئة لأبي.

ولا يمكنني أن أقول: "أبي فعل ذلك بمحض إرادته". لأن في هذا نفي لقضاء الله.


وأنا خطيب جمعة اليوم... ومازلت أتوقف عند هذا السؤال.

لأنه سؤال كل مبتلى.

وسؤال كل إنسان رأى النار تأكل جسد من يحب.


لكنني توصلت إلى شيء:

أن الله خلق النار، وخلق البنزين، وخلق يد أبي التي صبت البنزين، وخلق الولاعة التي أشعلته.

كل ذلك خلق من خلق الله.

لكن الله خلقها لحكمة لا نعلمها.

ربما ليُظهر قدرته على الشفاء بعد الاحتراق.

وربما ليُظهر صبرنا بعد البلاء.

وربما ليُظهر أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء.


أنا لم أصل إلى يقين في هذا.

لكنني آمنت.

آمنت أن الله لا يظلم الناس شيئاً.

آمنت أن ما أصابني لم يكن ليخطئني، وما أخطأني لم يكن ليصيبني.

آمنت أن وراء هذا البلاء خيراً لو كنت أعلم.


وهذا هو الفرق بيني وبين من لم يعانوا.

هم يؤمنون بالله نظرياً.

أما أنا فأؤمن به تجريبياً.

اختبرته في النار... فوجدته معي.

اختبرته في اليتم... فوجدته أبي.

اختبرته في الفقر... فوجدته غناي

من أنا 

أنا هو.

أنا الذي رأى أباه يحترق فأصر على الحياة.

أنا الذي حفظ البقرة وآل عمران ثم بدأ ينساهما، لكنه لم ينسَ الله أبداً.

أنا الذي غشاه دخان الماضي كثافة دخان المكب، لكنه مازال يرى نوراً في آخر النفق.

أنا خطيب الجمعة الذي بكى في السر وصلّى في العلن.

أنا الذي قال لعمته عن الميراث: "كل دقيقة يتم لا تعوّضها أموالكم"، فلم يفهموا.

أنا الذي ما زال يفتقد سيدتي ليليا وبركالها الخشبي، لأن الضرب كان أهون من الفراغ.


أنا أشرف مزيد.

وهذه ذاكرتي.

ليست أجمل من ذاكرة غيري، لكنها لي.

أنا صانعها وهي صانعتي.

سأحملها إلى القبر، وسأقول لربي يوم ألقاه:

"إلهي... شكراً لأنك ابتليتني.

لولا البلاء ما عرفت قدر النعماء.

ولولا النار ما عرفت قيمة الاسلام

ها أنا قد كتبت.

كتبت عن البرباشة، عن السيدة ليليا، عن جدي يوسف وسرواله، عن صباح الأحد 28 ماي، عن اليوم الأول من الامتحان، سأكتب عن عمي الكبير بين نارين، عن فلسفتي التي تحترق ولا تحترق


لم أنته بعد.

هذا كتاب لم يكتمل.

لأن الذاكرة لا تكتمل طالما صاحبها حي.

وكل يوم يمر، تضاف صفحة جديدة.

كل ذكرى، كل امتحان، كل خطبة جمعة، كل نظرة فضولية، كل مكسب مالي يُنقص من ميراثي أو يُزاد.


سأكمل.

بإذن الله سأكمل.

لأن في الكتابة خلاصاً.

لأن في الاعتراف بالألم شجاعة.

لأن في قول "أنا تألمت" بداية طريق الشفاء.


وأنت يا قارئ...

إن مررت بهذه السطور، فلا تبك علي.

فأنا لست بحاجة لدموعك.

أنا بحاجة لدعوة صادقة تقول:

"اللهم اغفر لأشرف ما مضى، وثبته فيما بقي، واجمع به بين أبيه في الجنة كما فرقت بينهما النار في الدنيا"

امي انت ذخري

samedi 29 août 2015

من الأكلات الصفاقسيّة القديمة : بازين بالمرقة

             دون غير جهات البلاد التونسيّة لا يعني طبق المَرقَة , المَرَقُ بالتحديد بل يطلق اسم المرقة على السمك , ومنه يقول الصفاقسي ( اليوم فطورنا كسكسو بالمرقة أو فطورنا مرق مرقة بخبز الشعير ...) بمعنى كسكسي بالسمك أو مرق بالسمك في حين تطلق أغلب جهات الجمهورية التونسيّة اسم المرقة على طبق يسميه الصفاقسي بـــ"ــالشكشوكة" . 
     
اليوم فطورنا مرقة بالبازين , و" البازين " أو الثريد بالفصحى هو أكلة عربية منتشرة في  كل العالم العربي , كلٌ له صنوفه في اعداده ,وكذلك الصفاقسي له طريقته في اعداد البازين , ونظرا لحبّ الصفاقسي للسمك ووفرته  أعدّ البازين أو الثريد على طريقته الخاصّة .
     كان طبق البازين بالمرقة يعدّ في غالب الأحيان في المناسبات وخاصة يوم حمام العروسة.
 طريقة التحضير : 

     * تحضير الثريد : 
- نحضر دقيق الشعير يسميه الصفاقسي بالدقاق أو المسبوك
- نأتي بقدر عميق بضع الشيء ونسكب فيه الماء وشيء من الملح ويوضع على نار هادئة ثمّ يسكب "المسبوك" دفعة واحدة ويُحرك الى أن يعقد ويجف الماء ويصبح لدينا عجينة .
      * تحضير مرق المرقة: 
- التقليّة :
يقلى البصل في الزيت الى أن يذوب ثم تضاف اليه ملعقة ونصف من معجون الطماطم ثمّ يضاف الثوم المسحوق مع الكمون ثم الفلفل الأحمر الحار وإن وجد بعض قرون الفلفل بعد إضافة نصف كاس ماء .
- ( مرقان التقليّة ) : 
بعد أن أخذ التقلية حظّها من الطبخ يضاف اليها مقدار كبير من الماء ويبقى الى حين درجة الغليان يضاف السمك وعادة ما يحافظ الصفاقسي على أن تكون مرقته تحتوي على أنواع كثيرة من السمك (مرقة مخلطة) حتى يكون المرق لذيذ وفي العادة لا تخلو مرقة من أنواع السمك هذه : صبارص , شوشة , سردوك , قشاش ,خضيْر , أحناش , انداس 
     * إعداد الطبق : 
- يكوّر الثريد في شكل كورة ويوضع في وسط طبق كبير 
- يصفى مرق المرقة حتى نفصل السمك عن المرق وفي بعض الاحيان عندما يكون السمك صغير قد يتفتت لذلك يجب تصفية المرق  حذرا من الاشواك
* يسكب المرق المصفى فوق الثريد ويزين بالسمك وشهيّة طيبة
صبارص شرافي
وانداس وسردوك وخضيْر

طريقة تقديم البازين مع مرق المرقة

dimanche 7 juin 2015

النغوري يدڨو سيدي علي النوري , مكان ذو رمزية تاريخيّة دينيّة , مهمل

سيدي علي النوري " النغوري يدكو سيدي علي النوري" تلك هي الدعوى التي نرددها عندما كنّا صغار عند لعب الغميّضة كي لا يغش الذي يغمض عينيه و يفتحهما و يسترق النظر الى اين اختبؤا اصحابه .
   سيدي علي النوري :
          هو ابو الحسن علي بن سالم ابن احمد بن سعيد النورى , شطورو كما هو مكتوب بايجازته الذي اخذها من جامعة الازهر . ولد سنة 1644 م بصفاقس أخذ العلم و الطريقة على يد الشيخ الولي أبي الحسن الكراي الوفائي صاحب الطريقة (الصوفيّة) الشاذلية بتونس في زمانه , في سنّ 14 عام رحل الى تونس لاتمام تحصيل العلم رغم فقر أهل داره و سكن بالمدرسة المنتصرية و الشمّاعية يذكر محمود مقديش في تاريخه عنه ( و لم يكن بيده قوة مال ,فلما نفذ ما بيده اشتدّ به الحال حتى صار يشتري يسيرا من التمر ,يغليه على بقية نار الطلبة و يشرب ماءه ليمسك رمقه,و يفعل ذلك مرات فاذا انقطعت حلاوته اشترى شيئا يسيرا غيره, و الطلبة يظنون أنه طعام مثلهم و ذلك حرصا على العلم و تعففا كما قال تعالى:"يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف" وكان عليه سيماء الصالحين,فاطلّع عليه بعض أهل الخير, فعيّن له كلليلة نصيبا من الطعام يبعث له به يقتاته جريا على عادة أهل الفضل من تونس المحمودة قلّ من يشاركهم فيها الا من تشبّه بهم) و لمّا استكمل تحصيله بتونس أرسله بعض أهل الخير و الصلاح الى مصر لطلب العلم بالأزهر . 
إنّ جاذبية القاهرة كانت محسوسة بالخصوص بالقسم الجنوبي من البلاد لاسيما في صفاقس و في جربة الى آخر القـ19ـرن و العائلات ذات المستوى المادي الحسن تؤسل اولادها الى الازهر و الطلبة الصفاقسيون يشعرون أقل غربة في القاهرة لان يجدون ابناء بلدتهم استقروا كتجار و احيانا كأساتذة و قد رحل كثيرا من اعلام ذلك العصر الى الازهر و قضوا به مدّة طويلة او قصيرة في التلقي عن أجلّة علمائه و استجازاتهم ,ثم عادوا الى موطنهم لبثّ العلم و الافادة .( من كتاب من أعلام صفاقس لمحمد محفوظ -بتصرف-) 
ما عرف به سيدي علي النوري :
           لما عاد سيدي علي النوري الى صفاقس أصبح قطب من أقطاب العلم بها و أسس بحارة سكناه (بشمال ربع المحمديّة, حومة الشعارة) زاوية لتعليم علوم الدين اتخذها من داره .
  •       شحذ الهمم و المساهمة في تكوين جيش لرد غزواة قراصنة مالطة (فرسان القديس يوحنا)  و ذلك بـــ : فتوى الجهاد ضد هذه الغزواة بكتابه " الهدى و التبيين فيما فعله فرض عين على المكلّفين" , حركة انشاء سفن حربيّة كما هو بكتاب نزهة الانظار ( فتشاور مع أهل الفضل في انشاء سفن للجهاد , فوافقه أكثر الناس على ذلك فأنشأ سفنا و جعل الله فيها بركة , و انقطع جور الكفرة و غنم المسلمون منهم خيرا كثيرا و جعل مقدما على السفن يأتمرون بأمره و يصلي بهم إماما الشيخ الصالح ابن اخته الشيخ الأبرّ أبو عبد الله محمد قوبعة ,معلّم أطفال المسلمين و كان مقدما على ضريح منصور غلام) .
كان الشيخ عليّ النوري يكتب في أول ورقة من الكتاب تملّكه له و يذكر عدد أجزائه و يكرر صيغة التملك في كل جزء

  • تأسيس مكتبة هامة جامعة لجميع صنوف المؤلفات و العلوم و لم تقتصر على علوم الدين بل الفلك و الحساب و الطب و الادب و اللغة و التاريخ ... كانت هذه المكتبة اولى المكتبات بصفاقس و اهمها و لعل منها تعلم الشيخ و علّم أحفاذه علاج داء الكلب قبل اكتشاف "باستور " له باكثر من قرن فلكل ولي كرامة كما هومحفور بالذاكرة الشعبية بصفاقس و كرامة سيدي علي النوري علاج داء الكلب هذا العلاج كان متوارث عند أحفاد الشيخ الى أن جاء الاستقلال فابطل استعماله و حجّر عليهم صنعه . 

     نقل ما بقيّ من هذه المكتبة الى دار الكتب الوطنيّة بتونس سنة 1969.

  • تحريم التدخين , و كان من أوائل علماء الدين الذين وقفوا أمام هذه الظاهرة , حيث يروى شيخنا النوري الكشو عن فتوى الشيخ و ذلك الزمان أن التجار "الاسبنيول" كانوا يهدون لكل زبون جديد علبة تبغ وفي المرّة الثانيّة بعض السجائر الى أن يصبحوا يبعون له السجائر و ألف في ذلك الشيخ كتاب " ثلاثة رسائل في تحريم التدخان".


  زاوية سيدي علي النوري هي زاوية معروفة توجد خلف متحف دار الجلولي بساحة تعرف باسمه " رحبة سيدي علي النوري" بأقصى الشمال الشرقي لهذه الــ"ــرحبة" يوجد " سبط " ( السبط هو سقف لزقاق) يجمع بين دارين دار السلامي ( هذه الدار هي خربة لم يعد منها سوى الاسوارها الخارجيّة و لشدّة الاهمال بها نبتت بالسابق بها شجرة كرموس "شجرة تين" عملاقة جدا ترى حتى من خارج البلاد العربي من الجهة الشرقيّة ) أما الدار الثانيّة هي دار سيدي علي النوري و هي مازالت على ملك أحفاده , تتكون هذه الدار من طابق ارضي هو اليوم ورشة أحذيّة و من ألطاف القدر القائمون على هذه الورشة لم يلحقوا الاذى بهذه الدار أو برمزيتها حتى أنهم حدثوني بما خيّل لهم
بأنهم قد شاهدوا في مناسبتين رجلا وقورًا يعبر وسط الدار من الغرفة الشرقيّة الى الغرفة الغربية أو العكس, لعل الهيبة الرمزيّة للدار تمثلت لهم في ذلك المشهد تحسرا منهم على حال البلاد العربي و الاهمال الشديد لها , هذا يتبع الدار "علِيّ"(طابق علوي له منفصل عن الطابق الارضي) هذا الجزء الاخر من الدار يشكو تصدع كبير نظرا لان السبط الرابط بين المنزلين ( دار السلامي و النوري) يتداعى للسقوط في تلك الخربة , هذا العليّ لا يقلّ رونقة و جمال معماري عن أي منزل تقليدي بالبلاد العربي هذا و ان المنزل تركه أصحابه بأثاثه الذي نهب و لم يتركوا فيه غير ما لاقيمة له و مما لا قيمة له عند أولئك الناهبين نسخ توزع مجانا من مؤلفات الشيخ و التي طبعت على نفقة أحد أحفاد الشيخ " عبّاس النوري" 
    وفاته: 
  
    توفيّ الشيخ بعد حياة حافلة بجليل الاعمال و نافعها يوم  12 ربيع الانور 1118هـ / 25 جوان 1706 و جعل له مقام بالمقبرة العامة بالجزء الذي خصصه من أرضه لها لدفن موتى المسلمين و اوصى ان يدفن تلامذه بجنبه , تم اليوم ازالة هذه المقبرة التي أقيم على ارضها مشروع صفاقس الجديدة إلا انه تم الحفاظ على رفاة الشيخ دون قبّة المقام التي كانت تعلوه , يوجد الضريح اليوم بشارع الثورة او شارع 7نوفمبر سابقا بالحديقة الفاصلة بين مبنى الفرع الجهوي للبنك المركزي و مبنى بنك BIAT. 

خريطة تقريبيّة لرحبة سيدي علي النوري و دار عائلة النوري
 

dimanche 31 mai 2015

الى شاطىء سيدي منصور فقد استطاعوا اليه سبيلا

        للصفاقسي قصة مع الشاطىء الشمالي لمدينته , يقول المؤرخ < محمد عبد الكافي > بكتابه " تاريخ صفاقس " ( أن سيدي منصور جهة تقع جغرافيا في الجانب الشمالي الشرقي من صفاقس على بعد 10 اميال من سورها .. و اهم ما عرف فيها ناظورها المشهور (برج الكرك) و هو واحد من عشرة أقصاها غربا ناظور المحرس و ابعدها شرقا ناظور اللوزة . و الى جانب كونه منارة رومانية المنشأ بنيت على شواطىء صفاقس يهتدي بها البحارة و المسافرون فقد كان واجهة متقدمة لاستكشاف المغيرين و الطامعين الذين يكيدون للمنطقة و يتربصون بها لمهاجتها عن طريق البحر خاصة ثم أنه الى جانب هذا معلم شامخ شاهد على أغلب الحضارات العريقة التي مرت ببلادنا).  و قديما لم تكن  هذه المنطقة تستقطب الصفاقسي للسكن فيها فالحكمة تقول :
( اذا حبيت تاخو جنيين لا تشرق و لا تغرب) فهي منطقة للثورة على البايات و على قيادهم بالاضافة الى اللصوص و عُربان ظهير صفاقس من قبيلة المثاليث بالتالي هي منطقة غير آمنة في عرف القديم للصفاقسي . 

     على خلاف هذا , نظرا أنّ للصفاقسي احتكاك مباشر مع ثقافات اخرى سكنت الربض القبلي , أخذ يتعامل مع البحر تعامل سياحي مع بداية الـ50نات ,بعد ان كان الصفاقسي يقصد الغابة و الابراج للاستجمام بالنسيم العليل أو يقصد بعض مزارات الاولياء الصالحين او لبعضهم الى مناطق الارستقراطيين بالعاصمة ( المرسى و حلق الواد ...)فقد حدثتني أم جدي رحمها الله ( مواليد الـ20نات) أنهم لم يعرفوا سابقا الذهاب الى الشواطئ و السباحة فالصيف كان لجمع المحاصيل وبعض الصنوف من العولة و الاعراس.
      اما مع نهاية الاربعنيات بدأة التردد على الشاطئ و خاصتا ان المعمرين أحدثوا منطقة ترفيهيّة بالربض القبلي ( الكازينو) و من لا يعرف الكازينو و ليالي الكازينو خاصة بعد خروج المستعمر و التغلب على "رهاب الجدرميّة"   (الجدرميّة الجند الفرنسي الذي كان يفرض حظر التجوال و يقتحم المنازل ليلا) .
 اذ يكثر حديث الشيوخ عن مغامراتهم و مسامرات شبابهم بالكازينو , هذا بالاضافة الى ان شاطئ منطقة "بوردريار" الذي كانت متاخمة للمنطقة السكنية للمعمرين "البساتين" اذ كان الصفاقسي يشاهد بعين الدهشة العائلات الاوروبية تستجّم بنسيم البحر وتستلطف حرّ الصيف بمياه.
 فقصد  الصفاقسي "ثنيّة البحر " او "ثنيّة سيدي منصور"  فقد حدثتني جدتي رحمها الله (مواليد اللـ40نات) أن والدها الذي كان فلاح  يأخذهم في صغرهم على "الكريطة " الى شاطئ سيدي منصور عند منطقة  "السنطرين" (ما يقابل اليوم حي بورقيبة) أو  "الألواز" او عند منطقة "الشقاف" ( وبه أثار لميناء تجاري تكثر به الفخارياة تسمى شقف او شقوفة يتم جمعها و سحقها و تستعمل كميلاط لبناء المواجل) أو عند مقام سيدي منصور , فكانوا يقضون يوما من الصباح الباكر الى العصر على الشاطئ بجمع " الفكارن و الببوش" ( السلطان و حلزون) عند الجزر و بالسباحة عند المدّ . 
     أما مع الاستقلال فقد ترك المستعمر الفرنسي للصفاقسية أجمل شاطئ قريب الى المدينة العتيقة ( شاطئ حشاد) برمال ذهبيّة و مياه عميقة و زرقاء صافية , هذا و قد كان شباب ذلك الزمان يقضون يومهم بهذا الشاطئ متنافسين في الغوص و القفز من اعلى مسطبة المخصصة لذلك.
     منذ تلك الفترة و الى نهاية الـ90ـنات اتخذ الصفاقسي عادة دؤوبة فكل صائفة مع بداية العمل بالتوقيت الصيفي , نظام الحصة الوحدة , تقصد جميع العائلات و اغلبها متوسطة الدخل , سيدي منصور و كان الشاطئ  بداية من "السلوم" الى مقام سيدي منصور تنصب الخيمة الى جانب الخيمة أما ما قبل منطقة السلوم فهي غير صالحة للسباحة نظرا للثلوث من مناء المصدر للفسفاط و من المنطقة الصناعيّة ببودريار.
     تلك الايام التي كان شهد فيها شاطئ سيدي منصور الجماهير المجمهرة من المصطافين و كل قدير و قدره البعض يقضي الاسبوع مخيما هناك و الاخر الاسبوعان و الثلاثة مخيما و الاخر يكتري منزلا طيلة الصيف و يستظيف أقاربه  , كان الشاطئ يشهد في صباحا جماهير الاطفال و هم يجمعون "الفكارن و الببوش" و مع بداية الظهيرة و بداية المدّ يبدأ الأولاد بالاستعداد لصنع فخاخ لصيد الاسماك الصغيرة غدا مع الجزر , هي عبارة عن قارورة بلاستيكية تفتح بها فتحة على جانبها وتوضع بها قطعة خبز كطعم ثم تثبت بمكانها و تثقل بشيء من الحجارة قبل ان يغمرها المدّ لتجد بها فروخ الاسماك مع الجزر, و كان الليل بالشاطئ كله سكينة و هدوء رغم الاعداد الغفيرة من المصطافين و الخيام فكل يحترم جاره و كل يلتزم بحدوده بل و اكثر من هذا فتلك العائلات بعضها تجمعها صلة القربى و اخرى نسجت تلك الخيام خيوط صداقتها .
      
براكة سيدي منصور و هي مقهى أزيل مع بداية اشغال مشروع تبرورة

   
      

samedi 16 mai 2015

سنجق صفاقس , و الراية المنسيّة التي افتكها المحتل الفرنسي

                         عند دخول العثمانيية الى أرض إفريقية و ضمها الى امبراطوريتهم , و اثر تطبيق التنظيم الاداري العثماني عليها . كان حضّ صفاقس أن نالت سنجق خاص بها و السنجق : كلمة تركيّة الأصل تعني الرمح و مكان الطعن , أما اصطلاحا فهو اسم يطلق في التقسيم الاداري للدولة العثمانيّة , فقد قسّمت الامبراطورية الى ولايات عرفت بإسم الواحد منها " إيالة"  و قسمت هي بدورها الى مناطق داخليّة عرفت بإسم سنجق تعريبا لكلمة لواء   و هو راية دون العَلم  لكتيبة عسكرية في الجيش الاسلامي.
        و كيف لا تحضى صفاقس بإدارية سنجق و قد عرفت منذ تأسيسها عديد المرات  الثوراة الاجتماعيّة و السياسيّة و بالتالي الانفصال عن الحكم المركزي و اعتماد حكم ذاتي و لو لفترة وجيزة  كان أبرزها عمقا و رسوخا في ذاكرة الشعبيّة بــصفاقس واقعت " الحاجوجة" و هي  الثورة على النورمان الفايكينغ و هم قبائل من شمال أوروبا سكنوا ايطاليا وجزيرة صقلية,  و اثر توسع الحملات الصليبيّة في حوض المتوسط و احتلال بعض الجزر و بعض الغارات على سواحل افريقيّة تشجعت القوى النورمانديّة على غزو صفاقس التي كانت  تصارع حكم بنو برغواطة اثر انهيار الحكم الصنهاجي , كان نهاية هذا الاحتلال النورماندي بقيام ثورة بقيادة سيدي عمر الفرياني ابن الشيخ سيدي ابو الحسن الفرياني و هو سلسل عائلة عربيّة قحطانيّة سكنت صفاقس . اثر هذه الثورة دخلت صفاقس مرحلة من الحكم الذاتي الى حين استقبال الحكم الموحدي . 



       بخلاف هذا طبعت بذاكرة صفاقس ثورة متزامنة مع ثورة علي بن غذاهم هي ثورة الباي مشري و الباي عسل (علي دريرة)  بعد تعسف المكاس اليهودي ( صباغ ) على بحار لم يعتني بــ"الماكس" (ضريبة على البضاعة بالاسواق) و قد تحدث الشاعر أحمد ملاك عن هذه الثورة و محامدها قائلا:
              تهنينا و الماكس بطل في دولة الباي مشري و عسل 

و كذلك على اثر هذه الثورة عادة عوائد الصافقسية الى حكهم الذاتي الى حين تلطف البايات الحسينيون لهم . 

      على خلاف هذا عندما فتح باي تونس البلاد امام الاحتلال الفرنسي قالت صفاقس  
           ( لاأحنا لا راضيين بالي راضي به سيدنا و لانا راضيين به
 و على اثرها قامت صفاقس بالاستقلال عن الدولة الحسينية و اعلان التبعيّة للـباب العالي ( الخليفة العثماني) و طلب المدد العسكري من القائم بأعمال العثمانيين بطرابلس حتى يتجهز الصفاقسيون للجيوش الفرنسيّة الا انّ هذا الدعم تأخر, عرفت صفاقس على اثر هذا , يوم 16 جويلية 1881 أكثر أيّامها دمويّة و بربريّة غازية  .
                    

            تبعا لكل هذه المراحل التي تنهج فيها صفاقس نهج الانفصال عن الحكم المركزي , كانت تعلوا أسوارها و خاصة برج باب الجبلي و ناظور باب الديوان الذي هدم اثر الغزو الفرنسي , راية خاصة تتكون من الاخضر والاحمر والاصفر




              
       يصطلح عليها في اللهجة العاميّة " السناجق" و يمثلون كما سبق اللواء و هو دون العلم و خاص بالجيش , و منه تمسكت صفاقس بسناجقها مختلفة عن بقيّة سناجق البلاد التونسيّة و باعتماد اللون الاصفر عوض الابيض خلافا لألوان البايات ( الابيض و الاخضر و الاحمر) .  
بخلاف هذه الدلالة السياسية لهذه الرايات لمخالفة البايات , كانت هذه السناجق موزعة على عديد الاماكن الاخرى المتمثلة في ابراج المراقبة و الحصون  (حصن الصخيرة , حصن يونڤة, حصن تنيور, برج المحرس, برج الكرك , برج اللوزة , برج خديجة...)  و ذلك للدلالة على التبعيّة الادارية , هذا بالاضافة لاكتسابهم صبغة قداسة دينيّة و ذلك باعتمادهم في جميع مقامات الاولياء الصالحين و الزوايا التابعة لصفاقس ( سيدي عبسة , سيدي بوعكازين , سيدي عبد الله بو غمامة , سيدي الهاني , سيدي عبد الكافي , سيدي ابو اسحاق الجبنياني , سيدي منصور...) حتى أنه في المعتقد الشعبي يكفي أن تعلّق هذه السناجق و تشعل شمعة او ( فتيلة زيت) يصبح المكان ذو قداسة و مبارك لمن يحترمه و ملعون لمن لا يحترمه و يسمى هذا المكان بــ(حوطة) و يطلق على هذه "الحوطة" أسماء بشرية كـحوطة " سيدي عبد القادر"  مكان عمارة "الامان" الان أول "ثنيّة العين".   كذلك أستعملت ألوان هذه السناجق ( الاحمر و الاخضر)  للنادي الرياضي التونسي (1912)  قبل ان يتغير اسمه الى النادي الرياضي الصفاقسي  (1962) و تغيير هذه الألوان الى الابيض و الأسود.
   لا تخلو سناجق صفاقس من القيمة التاريخيّة التي ترتقي بها الى مكانت العلم غير أننا لسنا بحاجة لطلاسم العجائز و المشعوذين بعد أن ارتبطت هذه السناجق شديد الارتباط بالشعوذة و كيف لا بعد أن شعوذته الاحتلال الفرنسي فيذكر أنّ مفتاح باب الجبلي و باب الديوان و هذا السنجق حجزتهم فرنسا منذ يوم 16 جويلية .
     
            تبقى صفاقس دولة و يبقى تاريخها مهضوم خوفا من نزعة الجهويات في حين هضم نصيب صفاقس من التاريخ هو تصرف جهوي  , إن التاريخ كما يقول ابن خلدون ( التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الاخبار و في باطنه نظر وتحقيق) فلا يضرّ التاريخ و لكن الفكر المتعصب هو الذي يُأثر فإمّا أن يُتعصب للتاريخ إلى ان يعيش ذلك الفرد غربة زمنية كالفكر السلفي أو يُتعصب على التاريخ إلى أن يعيش الفرد أزمة هويّة كالغراب الذي أراد تقليد مشيّة الحجل فنسي مشيته و لم يستطع تقليد الحجل فماهو من مشي الحجل و ماهو من مشيه.

dimanche 3 mai 2015

الحياة تعود الى " زقاق الذهب " بالمدينة العتيقة بصفاقس

           نهج الشيخ التيجاني حديثا أو زقاق ذهب قديما هو زقاق من أزقة مدينة صفاقس العتيقة , بالجزء الغربي من الربع الجنوبي ( ربع القصر) بالتوازي مع نهج سيدي بالحسن الخموسي يمتدّ من نهج القصر جنوبا الى نهج سيدي علي الكراي شمالا .
   
         زقاق الذهب كما يسمونه أجدادنا , تعود التسمية منطقيّا الى أن هذا الزقاق سكنه ( ناس قماقم ) أي شريحة إجتماعية راقيّة و لقربه من مركز المدينة العتيقة ( الجامع الكبير و الاسواق و المدارس و الكتاتيب و الزوايا ) و تبعا لذلك كانت أثمان العقارات بهذا النهج مرتفعة جدا و حكرا على كبار اهل البلاد و للمزايداة بينهم , هذا بالاضافة إلى ان العقارات هذا النهج غاية في الأناقة و الجمال و فنون المعمار الاسلامي و الاندلسي , لذلك فتسميّة هذا النهج مشتقة من قيمته . أما الرواية و الاسطورة فتتحدث عن قيام أهل صفاقس بإخفاء ذهب بيت المال بهذا النهج إبّان الغزو الاستعماري الفرنسي لصفاقس , و هي رواية لا تخلوا من الصواب لان سكان هذا النهج هم أصحاب القرار آن ذلك و هم المعنيين بحفظ مال خزينة المدينة , غير أن هذه الرواية سهلت الدحض من قبيل أن إبّان الغزو الاستعماري تحدثت الروايات المنقولة عن إجلاء النساء و الاطفال و الامتعة الثمينة الى الأبراج بالغابة و البساتين .
         اليوم هذا النهج يشهد حركيّة في الاصلاحات و الترميم على الحساب الخاص للمالكين في حين أن المجموعات الشبابية و حركية المجتمع المدني أخذت في التعرف الى معالم هذا النهج . يحتوي هذا النهج :
               -  زاوية أو كتاب سيدي على التريكي : و قد كان ابي علي التريكي شيخ علم ناسخ للقرآن يقضي يومه بها , ثم يعود الى منزله الكائن بطريق العين بـقريعة , اليوم هذه الزاوية هي مصلى قيد الترميم .
               - دار فريخة  ( أوائل محرم 1186) :   هي اليوم مقهى ثقافي ( مقهى المدينة )

            - دار العذار :  كان صاحبها قاضي شرعي , هي اليوم قيد الترميم
       
             -   دار الشرفي :  كانت مقر للاتحاد العام التونسي للشغل و شهدت عديد النضالات أيام الاستعمار الفرنسي و آخرها اعداد مؤتمر 11 نوفمبر 1955
            - مخبزة عبد الناضر ( 1812)

         
  نحن بحاجة إلى هذه التحركات , هناك عديد من الاماكن و الانهج مثل (بالقرب من متحف دار الجلولي هناك رحبة سيدي علي النوري و منزله و زاويته ) التي بحاجة الى التعهد حتى لا تبقى قلعة الاجداد حكرا على كلاب السوق و قطاطس الشماتة






 
   

mardi 20 mai 2014

سلام عليك يا نار أبي


 28 ماي من كل عام , ياتي هذا التاريخ محملا بألم 20 سنة , ألم مشبع بأوجاع الحياة , ابتدأ بألم الوجود جئت و لم يستشر احد خياري في الوجود , هي مأساة أن تحيى بلا رغبة في العيش, كذلك هو أسى الم 20 سنة من الحياة .لا أدري بأي ضمير يسعني أن أتحدث, بضمير الغائب و شاهد لم يشهد شيء! , أم بضمير أعمى أبصر الدنيا و قال عن نفسه:
 " كان من أول أمره طلعة لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم. و كان ذلك يكلفه كثيرا من الالم و العناء" ! ,   أم بضمير المتكلم يقول أنا و يحيا العناء !
كان يوما كجميع أيام وجعه, من حيث سبيل أن يستكشف ما لا يعلم, و من حيث سقف آماله الذي يعلو رأسه القصدير و القماش الذي يمنع تسرب الهواء إلى غرف البيت .بدا  تاريخ ذلك اليوم بسخرية القدر , أن يطعم الجائع الشبعان, كأن تحدث أعمى عن جمال الألوان و المجنون عن السكينة و الوقار , إذ اقسم جدي "يوسف" من يوم أن خلع سرواله أمامنا و نحن أطفالا حتى يخرجنا من بيت أبيه الذي لجأنا إليه فقرا بان يشبعنا أكيالا مكيلة من مر هذا الوجود كقسم الله << و العصر ان الإنسان لفي خسر>>, ذلك أن من سخرية القدر أيضا أن يطلب الانسان بالإنفاق على والديه عوض  ان يطالبهم بغرامة ألم الحياة ذلك أن ليس في هذا الوجود ما يستحق الحياة .كذلك أدرك أبي عصر يوم الاحد 28 ماي 2006 ان ما على هذه الارض ما يستحق الحياة:عامل في أرشيف المحكمة بين غبار الزمان و رائحة عفن حياة  الناس   , لا يقدره الناس سوى عند حاجتهم له ,  أخوته عبيد أنفسهم و والدين عبيد شبع كروشهم ,  يسكن كوخا يسدد أقساط شرائه على 20 سنة  و يقع عند  أقصى اطراف الحضارة حيث عند سدرت المنتهى "أولاد يوسف"  –و من عجب الأقدار فعلا أنهم أولاد يوسف-   ذلك ان هؤلاء القوم لما سكنا معهم عند منتهى حاضرة صفاقس و مازال الصفاقسي يتكبر عليهم  كما قال فيهم ابن خلدون عليهم بوصفه لهم أن العُرب لا يعرفون من الحضارة سوى هدم القصور حتى يفوزوا بأثافي لقدورهم . أتينا و سكنا في ربعهم و رضينا بتجبر أقربهم جيرة لنا " غلام" بأن يقتص من أرضنا ضريبة أننا صفاقسيون . كان أكبر أوجاعه ألما ما أصابه من دهاء والده أن رفع عليه دعوى نفقة متعللا بقدرة ابنه هذا دون بقية أولاده حتى انه اشترى ارض بها كوخ بقرض يسدد على طيلة 20 سنة, هذا رغم ان جدي العجوز هذا  كانت جراية تقاعده التي تصرف له شهريا اكبر من دخل ابنه الشهري و الذي له ولد و بنت .

 تلك هي سخرية القدر أن يلدك أبويك اثر متعة جنسية ثم يجعلانك تقف حتى يستظلان بظلك و كأنك شجرة .فعلا نأتي اثر لّذت عاشها والدينا حسب عرف مجتمعات الكآبة التي تعتبر الجنس وسيلة الترفيه الوحيدة  و مشروع كل منّا, فمن لعبة روّحوا بها عن أنفسهم حتى أذاقهم الله بنينا ثمرة لهوهم ,  نشبّ تحت أوامرهم و نخدمهم في مشيبهم , هذه هي عبثية الجنس و الجنس البشري , إذ يُقتحم بنا سلسلة كآبة التناسل و الترفيه الجنسي , فلا يسع أحدنا أن يستقل بمشروعه الفردي و  يتميز , و لا يسع لنا أن نجرد لعبة الجنس من إطارها الطبيعي  فلا تكون أهل للإلزام أو الالتزام بل شيء من الإنشباك الحميمي.    بدأنا ذلك اليوم بجولة معا نبحث في الوادي المجاور لمنزلنا عن ما استقر به من أحجار و آجر من فضلات حظائر البناء, مازلت أذكر شمس ذلك الصباح كأنها شمس يوم الوعيد او نارا تلظى , عدنا بعد ما صلينا من حرّها و كالعادة تحججت  بواجبات المدرسية و كنت في اليوم الموالي أصبح على اجتياز اختبارات الأسبوع المغلق لسنة التاسعة اساسي, فظفرت برخصة الفرار من أعباء البناء و كنا يومها نكمل إنشاء جدار أخر للزريبة عوض كومة الأخشاب و الخردة , كان طيلة ذلك اليوم جارنا العجوز "غلام " يروح و يغدو متفقد ما اقتنصه لنفسه من أرضنا تحسبا على شبر أو شبرين قد نسترجعهم , يرافقه أبي بسبّه و شتائمه إما الخفية او العلانية في حين يشير ذلك الشيخ المصلي بالتهديد بالاقتصاص لو حاد الجدار قيد صنتيمتير الى جهته هذا و أن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر كذلك شأن جدي "يوسف" الذي اعتمر عام ان خلع سرواله امام أحفاده حتى يطردهم من منزل لجئوا اليه , فإقامة الشعائر الدينية لا تعني صدق الأقوال أو طهر الأفعال بل هي استناد تجبر الطغاة على عظمة الرب يقيمون له العبادات و يمكنهم من ظلم العباد و كأنهم ياتمرون بقوله  << فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ>> .  و كيف لعائلة تتركب من زوجين فقرين و طفليهما ألا يخنعوا لرغبت ذلك الجار و قد سبق و ان أطلق علينا أبنائه الأحد عشرة يموجون فينا موجا ,  فلا أنسى يوم الذي ذقت فيه معنى البربرية , فكثيرا من المعاجم البؤس ذقت معناها دون إدراكها,   كان أصغرهم في العشرين من عمره و كنت لا أتجاوز 13 سنة , هذا يقذفنا بالحجارة و تلك ترمينا ببصاقها , كان صراخهم و عويلهم ينبأ السامع بان يأجوج و مأجوج فتحت عليهم غير أنهم هم الذين فتحوا علينا من كل حدب و صوب , تنزل الحجرة على سقف بيتنا القصديري كوقع قذائف المدافع و أنا و أختي عند جناحي أمي الباكية , أمّا أبي فانه كان في الخارج موثق الى جذع شجرة التوت و هم يطفون به كطواف الإفاضة بعد رمي الجمرات الثلاث.سبقي ذلك المشهد المغروز في ذاكرتي كما سبقته مشاهد أخرى تشاكله , كيوم خلع جدي لسرواله فقبل أن يسقطه أمام أنظارنا في فناء المنزل و يتجلى لنا تبّانه الأبيض , أبرح أبي ضربا خارجا بصخرة على رأسه من حجارة الرصيف , كان أبي عندها طريح الأرض و الدم يملأ وجهه و يعلو ظهره جدي و هو يسعه دقا بتلك الصخرة , هي كذلك ذاكرة طفولتي فما يزال صدى ضجيج تلك الملاحم يتردد في أذنيّا و يتكرر و يعصف بذهني و مداركي حتى بدأ يثقل سمعي من ذلك الصدى.و في العصر كيف لمؤمن أن يكذب قوله تعالى << و العصر إن الإنسان لفي خسر>> عندها كنت عند باب الدار أهم بالخروج حتى التحق بابي و أمي و ما نحن بصدد إنشائه , فهاهو يمر مسرعا كالعادة مهمهما مزمجرا و أصناف الشتائم تنصت لها, أقبلت حيث ما نحن بصدده , و وقفت حذو كدس الأخشاب التي نزعناها من مكان الجدار الذي نحن قيد إقامته و كانت امي تحدث زوجة خالي بما نواجهه في ذلك الأسبوع من مشاكل و كان خالي على مسافة منهما يتناقش مع جارنا ذلك العجوز المصلي, و ما أن توقفت حتى عاد و هو يحمل بيده وعاء ملئه بنزينا من الدراجة النارية , صعد كتلة الأخشاب و الخردة تلك و قال صارخا << ها انا سأحرق نفسي حتى يتمتع أبي و "غلام" بالارض >>  ما أكمل جملته حتى أشعلت ولاعته ما سكبه على صدره من بنزين و انفجرت أمام أعيننا السنت اللهب تتصاعد منه , ما وسع فكري لحظة سكب البنزين إلا أن اخذ حفنة تراب ارميه بها حتى لا يشتعل و لكن قدحت النار حتى قبل ما أكمل اخذ الحفنة , كل شيء مرّ بسرعة , هاهو خالي يدفعه بعيدا عن الأخشاب , أسرعت عنده , حتى ماذا؟ لا اعلم فقط أسرعت لعنده , اخذ بنزع قميصه ,  تتصاعد  و تأخذ ألسنة اللهب في الانسكاب الى أسفل رجليه و أخرى تتصاعد الى أعلى , و وجهه يلتف حوله اللهب ,و  يلتف معه سواد محاط بلهب , اخذ ذلك اللهيب يجذبني له و يحرق أصابعي و انا أحاول الإمساك بأبي , الا انه فجأة اخذ بالركض نحو ذلك العجوز و احتك به و نقل اليه لهيبه , و انا أسرع خلف أبي غير اني وقفت و مزقت ما تشبث بالعجوز من النار بثيابه , ثم أكملت ركضي لاجد ابي يتدحرج في التراب تحت شجرة التوت في أرض ذلك العجوز , طفقت اصرخ و انا اركض ابحث عن حنفية او وعاء به ماء و أنادي << هاتوا لي سطل ماء هاتوا لي سطل ماء>> حتى سمعني احد ابناء العجوز و اخذ بساط من على الحبل و غمّ به ابي المشتعل فانطفأ لهيبه ...ألسنت النار , ذلك اللهيب , الضجيج , الصراخ , و خاصة صوت قدح اللهيب ياخذ بين الفينة و الاخرى اصوات كانها تكلمني و لا أفقه قولها.وقف ابي على رجليه و قد جردته النار من ثيابه سوى التبّان , غطيته بذلك البساط و عبرت به الى منزلنا عائدين إلا انه رفض المسير و هو يقول لي اتركني اموت حتى يشبع ابي بالرزق اتركني حتى تشبعوا انتم و أمكم بالرزق , عبرنا الى منزلنا توقف للحظة حتى ينزع أدمة كفيه كما ينزع قفرين , لم يتبادر لذهني عندها سوى أمنية اني فعلت مثله أيضا فما الذي يستحق الحياة في هذا العالم , ما نحن كذلك حتى  صرخت اختى الصغيرة ذات 10 سنوات عندما لمحتنا من النافذة  , عندها وجدت نفسي و ابي ان ساحة منزلنا مليئة بالمتفرجين , كيف أتوا ؟؟ ما سمعوا حتى هرعوا إلينا؟؟كان مشهد الناس المتجمهرين يثير ابي  فاخذ يقول و يصرخ << هاتوا لي سكين حتى أكمل قتل نفسي , دعوني , اتركوني أموت , دعوني اذهب لأقتل ابي...>>  لحسن الحظ مشى خطوتين على الأقل و رضخ لطلبي و دخلنا منزلنا , ثم تركته و خرجت اطرد لتلك الجماهير << ارحلوا , اتركونا ..>> رجعت لابي لأجده مازال يسلخ جلده المحترق و هو يطلب مني الماء , دخل علينا اثنين من جرانا الذين يحبهم ابي , و اخذوا هم ايضا في تهدئة روعه حتى أتت سيارة الاسعاف و اخذوه , هممت على اثر صعوده في السيارة ان اصعد معه الا ان ممرضا نهرني لا ادري بما قال و لكن عندها انفجرت بالبكاء و اخذت بطرد كل من اجده امامي , لم اجد احدا عندها من عائلتنا لا امي و لا خالي و اختى او ابناء خالي .لم يسعني في ذلك الوقت سوى التفكير في الانتحار ايضا , كان ساعتها يجتاحني إيمان قوي أن حياتنا ستتغير إثر هذه اللحظات كان خوفي كبير جدا و كانت ساعتها رغبتي في الانتحار هي ايضا عظيمة و لكن ما الطريقة الاكثر نجاحا من احراق النفس ؟؟هو فعلا هذا العالم لا يستحق الحياة  , نعيش النقيضين فينا :

أحاسيسنا المرهفة و المادي الخشن , نعيش   طمأنينة داخلية و  نحيا بأس المنظر و ضجر الشرائع و القوانين اليومية ....ان عالمنا الذي يقف على وجهين متناقضين يحرقنا في اليوم مرات عديدة , وجه يبحث عن المعنى من الوجود و من أشكاله :

 أي معنى في وجودنا ؟ أي معنى في الأبوة؟  أي معنى في الحب ؟ أي معنى في حياة اخرى بعد الموت ؟ أي معنى لكل هذا المعنوي لو اجبنا عنه ؟؟؟

و وجه آخر من الحياة هو من العداوة بمكان للمعنوي منّا , حقيقة الموت المؤلمة التي هي موجعة بالفقدان , حقيقة الجنس التي تخسف بمهجة الهيام و الحب , حقيقة تلك الأجسام التي لا تستغني عن دورة غذائية , حقيقة ان الخيال و الاحلام تعسر ان تكون من اليقضة في شيء , حقيقة أن عالم الانسان يحيى صراع وجود مع الانساني و المعنوي فينا :

  • تقحم الطفولة في صراعات المعابد و العرقيّة
  • تنمذج الجمال فأصبح الحسن ماهو من الموضة
  • تقنن الحب فليس هو أكثر شهوة التناسل
  • سجن الله في معابده و قيد بشرائع...

أيّان للإنسان حياة بلا عقد !!!
فكيف يا أبي تأتي بي إلى هذا العالم و خشيت على نفسك منه و لم تخشى علي منه ؟ و لكن يا نار سلام عليك طهرته من أوجاع الحياة.