dimanche 31 mai 2026

سلام عليك يا نار أبي الجزء 3 لبيك

 تمهيد لفصل "لَبَّيْكَ"


ليس التذكر استرجاعاً، بل هو حرق ثانٍ. فالذاكرة عندي ليست ألبوماً مرتباً حسب التاريخ، بل هي نار لا تطفأ: كلما اقتربت منها اشتعلت في وجهي. ولهذا لن تجد في كتابتي تواريخ منتظمة، ولا فصولاً تبدأ من الولادة وتنتهي إلى اليوم. ستجد فصولاً بحسب الأوجاع والذكريات، لأن الألم لا يحترم الساعة، ولا ينتظر دوره في الطابور.


هذا الفصل عنوانه "لَبَّيْكَ". وهو جمع بين ثلاثة أزمنة لا تجتمع إلا في قلب مكلوم. الأول: أيام الطفولة على سطح منزل جدتي أبي أمي حميدة رحمها ، حيث كنت أخترع و أقوم بتجارب الطفولة و في زقاق " الربض" أين ألعب "ولد الجنية مات" مع أبناء الجيران، ولا أعلم أن الموت قادم إلي من باب آخر. الثاني: مشهد لا يغادر عيني، مشهد جدي يخلع سرواله في فناء الدار، ويظهر تباناً أبيض لا تغسله العمرات التي اعتمرها و لا الحج في سنة وفاة أبي.

 والثالث: حاضر قريب، حيث قال لي أقاربي بعد عودتهم من العمرة: "يا أشرف، ما تنجموهاش العمرة أنتم"، وكأنهم ورثوا التبان الأبيض عن جدي، وتحول من فضائح الجسد إلى فضائح الكلمة.


في هذا الفصل، ستجد فهمي للرموز: سروال الجد ليس سروالاً، بل هو علم استسلام. والتبان الأبيض ليس تباناً، بل هو بياض النفاق الذي يتوشح به المتدينون وهم يظلمون. ولعبة "ولد الجنية مات" ليست لعبة، بل هي تدريب ساخر على موت سيأتي حقاً. وستجد أسماء لا تنسى: حميدة التي آوتنا، وليليا التي دخلت الفناء في اللحظة الحاسمة، ويوسف الذي جمع في اسمه بين الجد القاسي والمنطقة التي طردنا إليها. وستجد إيماني الراسخ بالله، الذي لا يختلط بغضبي من الظالمين. لأن إيماني يقول: الله خالق كل شيء، خالق النار والماء، خالق الحب والقسوة، خالق التبان الأبيض وإحرام العمرة. وهو سيحاسب الجميع. أما أنا، فلست بحاجة إلى الانتقام. أنا بحاجة إلى أن أفهم، ثم إلى أن أكتب، ثم إلى أن أسامح حين يحين وقت السماح.


هذا الفصل ليس سرداً، بل هو صلاة مقلوبة. أو عمرة لم تؤدَّ بعد. أو بكاء طفل كبر على ما كان.


والآن، اقرأ. ولا تبحث عن تواريخ. ابحث عن وجع ربما تشعر به.

فصل: لَبَّيْكَ


كان سطح منزل جدتي أمي حميدة مملكتي. نعجة مربوطة في الزاوية، وأرانب في أقفاصها الخشبية، وقفص كبير للعصافير يغردون كل صباح كأنهم لا يعرفون أن تحتهم داراً تموت فيها الأشياء شيئاً فشيئاً. كنت أختبر اختراعاتي هناك. كنت ألعب في الزقاق "ولد الجنية مات" مع أبناء الجيران. نمد واحداً على البلاط، نضع أصابعنا تحته، نهمس بصوت الموتى: "ولد الجنية مات... هايا نغسلوه... هيا نكفنوه..." ثم نصفّر. مرة بال على نفسه. ضحكنا كثيراً. لم نكن نعرف أن الموت سيزورنا قريباً، ولن يضحك أحد.


سطح جدتي كان فوق دار عتيقة في صفاقس، قبل أن ننتقل إلى "أولاد يوسف". إلى المنطقة التي تحمل اسم جدي وتلعنه في آن. كنا نعد أنفسنا للرحيل، نبني كوخاً من القصدير على أرض ابتلعها القرض، وفي انتظار أن يكتمل، أسكنتنا جدتي حميدة – أم جدي – في دارها. كانت هي الملجأ الوحيد من قسوة ابنها. الملجأ الذي لم نعرف أننا سنفقده قريباً، حين يقرر جدي أن دار أمه ليست لنا.



في تلك الدار، تعلمت أن الحجر ليس حجراً فقط. حجارة الرصيف التي نمشي عليها بأقدامنا الحافية يمكن أن تصير سلاحاً يهشم رأس أبيك. رأيتها بعيني. رأيت جدي يركب ظهر أبي، ويطرق رأسه بحجر من تلك الحجارة، والدم يخرج كأن الدنيا تريد أن تخرج من جمجمته كل الأحلام التي لم تتحقق. كان ذلك قبل أن ننتقل. قبل أن يتجمع الناس في الفناء كأنهم في سينما. وقفت أنظر، لم أكن قد بلغت بعد سن التكليف، لكني كلفت فجأة بمنظر لا تغسله السنون. ثم جاء جدي نحوي، انقض عليّ بعصا المكنسة، كسرها على ظهري كأني لست حفيده، كأني غصن جاف يحتاج إلى كسر.

هذه الذاكرة تنسى القريب و تتذكر البعيد : أمي حميدة . أم جدي يوسف.

امرأة طيبة، رحمها الله. كانت ملجأنا حين لم نعد نملك ملجأ.

أسكنتنا في منزلها العتيق حتى نوفر ثمن إيجار مسكن جديد، أو حتى نبني منزلنا، المنزل كان عتيقاً. دار قديمة من تلك الدور الصفاقسية التي تفتح فناء كبيراً تحيط به الغرف، وثلاث سقفات (أروقة) لكل واحدة باب يطل على الخارج. إلا سقيفة عمتي " السيدة" ؛ بابها مسدود لأنهم بنوا بناء جديداً وحوانيط.

أما السطح، فكان عالماً آخر،كان مملكتي التي أبدع ابي صنعها.

ضيعة محروس فيها نعجة، وأقفاص أرانب، وقفص  للعصافير، وآخر للدجاج والبط.

كنت أقضي ساعات وأنا أراعي هذه الكائنات، أجرب عليها اختراعاتي، ألاحظ سلوكها، أحلم بها.

السطح كان مختبر أحلامي، وحديقتي السرية، وعزائي عن ضنك الأرض.


كنت في تلك الفترة طفلاً.

براءتي لم تكتشف بعد معنى الخصام والقطيعة.

الضنك كان واقعاً متحققاً – الفقر حاضر، والحديث في العائلة كلما اجتمعنا كان عن الخصام مع جدي – لكن البراءة كانت كالحلم، تغطي الواقع بغطاء شفاف لا يمنع الرؤية لكنه يخفف وقعها.


كنت أتمرس التعليم وأحفظ أنشودة الصباح:

"أنا الفتى النظيف... مهذب لطيف..."

وأختي الصغيرة كانت تتمرن على الكلام، فتقول "مطاطم" عوض "طماطم".

كنا طفلين. نلعب ونضحك، ولا نعرف أن الذي يضحك اليوم سيبكي غداً على هذا الضحك

لعبة "ولد الجنية مات": تدريب على الموت


كان لي في زقاق منزلنا فئران تجارب: صهيب ومحمد، ابنا جارتنا اللدودة "ليليا". جارتنا هذه ليست معلمتي التي أحببتها بل جارتنا التي تعاني مثلنا ضنك الفقر هي ظلنا السيء الذي يتبعنا في كل شيء.

كانت تخاف على اولادها شديد الخوف، وكانا لي فئراناً أجرّب عليهما ما أنتجه في معملي السري.

وكانت أشد أعمالي بطشاً بهما لعبة "ولد الجنية مات".

فقد تسللنا نحن ( أنا و عدد من ابناء الجيران) الى منزلها و التففنا حول ابنها محمد و هو نائم

وضعنا أصابعنا تحته كأننا نحمله

ثم نبدأ نردد بصوت خافت، متحشرج، كأنه بكاء من تحت الأرض:

"ولد الجنية مات... هايا نغسلوه... هيا نكفنوه..."

ثم نبدأ بالتصفير – صفير الجنازة المزعوم – ونرفع الجثة إلى الأعلى، كأننا نشيّعها إلى السماء.


في إحدى المرات، جربناها على محمد، ابن الجارة ليليا.

مددناه على الأرض.

وضعنا أصابعنا تحته.

فتح محمد عينيه فجأة.

كان نائماً نعم و لم يشعر بنا أو كان مغشياً عليه؟ لا نعرف.

لكن هول الفجعة أيقظه ذعراً.

وقف يصرخ.

ثم فعلها: بال على نفسه.

نحن الأطفال شبعنا ضحكاً على منظر البول وهو ينساب من سرواله، وهو يبكي ولا ندري لماذا يبكي.

لم نكن نعرف يومها أن الموت ليس لعبة

لم نكن نعرف أن البول الذي أهرقه محمد خوفاً من الموت الوهمي، ستهرقه أختي يوماً خوفاً من الموت الحقيقي 

لم نكن نعرف أننا نتدرب على جنازة حقيقية ستقام بعد سنوات في نفس الدار، أو في دار أخرى، ولن يكون فيها تصفير ولا ضحك، بل بكاء لا يتوقف.


سبحان الله.

كنا نلعب بالموت، والموت كان يلعب بنا من وراء الحائط.

يستعد لضربته الكبرى.

المشهد الذي أيقظني من وهم الطفولة و أسقطني في التطبيق: 


في ذلك العام، نشب خلاف بين جدي وأبي.

لا أذكر السبب. ربما المال. ربما الأرض. ربما الكبرياء.

لكنني أذكر النتيجة: أبي على الأرض، وجدي فوقه يضربه.


ليس ضرباً عادياً.

بل ركوب ظهر، وطرق رأس بحجارة الرصيف.

حجارة الرصيف يا الله... تلك الحجارة التي نمشي عليها بأقدامنا الحافية، صارت فجأة سلاحاً يهشم رأس أبينا.


كان المشهد عالقاً بلوحة بصري البشرية.

لأن هذا المشهد أيقظني من طفولتي.

أخرجني من عالم الأناشيد والأرانب والعصافير ولعبة ولد الجنية، وأدخلني عنوة إلى عالم الضنك.

عالم حيث الناس تتجمع لترى العركة، لا لتمنعها.

عالم حيث الدم ينهمر من رأس أبيك، والنساء يبحثن عن البن ليكففنه، لا عن طبيب.

تجمهر الناس.

أغلق جدي المكتبة – كتبيّة لبيع الادوات المدرسية  – وأخذ دراجته الهوائية.

ظننا أنه ذهب ليقدم شكوى لدى السلطة.

لكن المفاجأة كانت أكبر.


---


. الفناء... والتبان الأبيض


الفناء امتلأ بالنساء.

نساء الأجوار. جاراتنا. كلاهن يحاولن تهدئة أمي، أو البحث عن قطن أو بن لوقف نزيف دم أبي.

العالم كله كان في ذلك الفناء.

لم أشهد مشهداً كهذا من قبل. ولسوف أشهد ما هو أقسى بعد سنوات.


كنت واقفاً عند سقيفة الباب الخشبب – خشب حفظنا من العالم الخارجي و لكن لم يحمني من جدي – أنظر إلى كل شيء بعين طفل لم ير العنف بهذا الوضوح قط.

ثم صدمت

جدي أمامي.

أنا مصدوم به. خائف. مرتعب.

لكنه لم يكن مصدوماً بي. بل رأى فريسة أمامه.

انقض عليّ بعصا المكنسة – تلك العصا الخشبية الطويلة التي تكنس بها النساء بيوتهن – وكسرها على ظهري.


لم يكتفِ.

اقتحم الفناء وهو يصرخ:

"اخرجوا من دار بويا... أو تو نحي سروالي!"


يا الله...

يا إلهي...

أمام كل هؤلاء النساء. أمام أحفاده. أمام الجيران.

يخلع سرواله؟


لكنه فعل.


جلس على بنك خشبي أزرق اللون – أتذكر لونه إلى اليوم – وأسقط سرواله الترابي.

ظهر تبان أبيض. واسع.

تبان الجد. تبان الرجل الذي سيذهب بعد أسابيع ليلبي نداء الله في الحرم مرتدياً الإحرام الأبيض.


الصدمة أفرغت الفناء من النساء.

لم يبق إلا أنا، وأبي المصاب، وأمي، وأختي الصغيرة، والدم، والصمت.

صمت لم يقطعه أحد.


حتى دخلت جارتنا "ليليا" من الباب نفسه.

ليليا – أم صهيب ومحمد، التي بال ابنها على نفسه في لعبة ولد الجنية – دخلت في اللحظة الحاسمة.

رأت جدي وسط الفناء، وسرواله مسقوط.

تدارك جدي أمره بسرعة.

نهض من البنك الخشبي، رفع سرواله، وخرج من باب سقيفة الحديد.

تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً وتباناً أبيض لا يغسل.


---


: لم يصدقنا أحد


ذهبت أمي إلى مركز الشرطة.

قالت: "زوجي ضربه والده أمام الأطفال، وخلع سرواه أمامنا".

قالوا: "هذه قضايا عائلية. لا نتدخل".

رفض مفتش المركز فتح محضر شكوى.

حاولت أمي مرة واثنتين وثلاثاً. كل مرة يُردّ بنفس الجملة: "حلها بينكم".


حتى أبي، وهو المصاب، رفض إصرار أمي على رفع قضية.

كان يخاف. أو كان يستحي. أو كان يعلم أن العدالة لا تصنع له شيئاً أمام سلطة الأب.

لكن أمي أصرت.

حررت مكتوباً وبعثته إلى وكيل الجمهورية.

وذهبت أنا معها – وأنا لا أزال صغيراً – للإدلاء بشهادتي عند الكاتب العمومي.

قلت ما رأيت.

قلت كيف انقض عليّ، وكيف كسر العصا على ظهري، وكيف خلع سرواله.

سمعوا. دوّنوا. شكرونا. وخرجنا.


ولم يحدث شيء.

لم يحاسب. لم يعاقب. لم يُسجن. لم يُغرم.

استمرت الحياة كأن شيئاً لم يكن.

وجدي استمر في بناء غلّه

وأبي استمر في بناء جدران 

منزلنا من القصدير والخردة

وأنا استمررت في بناء جدران ذاكرتي من الحجارة التي ضرب بها رأسي.

لبيك... والتبان الأبيض


في نفس العام –قبله أو بعده بقليل – ذهب جدي وجدتي للعمرة.

نحن كنا محرومين من حضور حفل التوديع، ومن الاجتماع العائلي، ومن مباركة المسافرين.

كيف لنا أن نراه في ثياب الإحرام البيضاء، ونحن لم ننسَ بعد تبان الأبيض الذي خلعه أمامنا؟

أتذكر جيداً.

بعد أيام من انطلاق رحلتهم، اشتعلت فينا أدخنة الحقد والغيظ.

نحن يطوف بنا المتزكون والمتصدقون – كل من رأى يتيماً فينا بسط يده بالصدقة أو بالزكاة أو العطف المتصنع.

وهو يطوف بالبيت العتيق، لابساً الإحرام الأبيض، لابساً ثياب الطهارة، وقلبه لم يطهر بعد.

وفي خضم هذا الغليان، شاعت الأخبار: حافلتان تقلان معتمرين انقلبتا.

اه...

يا دعوة الله الصادقة. لم تخطئ. ولم تهمل.


كنا نحن الثلاثة – أمي، وأنا، وأختي – سعداء بهذا الخبر.

نعم. سعداء.

لأننا ظننا أن الله انتصر لنا.

أن الله رأى التبان الأبيض في فناء الدار، ورأى الدماء على رأس أبي، ورأى العصا المكسورة على ظهري، ورأى الطفلين الصغيرين المرتعبين... فرأى أن يقلب به حافلة.

لكن القدر كان ساخراً.

الحافلتان كانتا لآخرين. ليس لجدي.

عمر الكلاب طويلة. هكذا يقول المثل الشعبي.

وأبي كان بين نارين: فقدان والديه لو ماتا، وفرحه بنصر من الله لم يتحقق.

أجرى تحرياته، واتصالاته، حتى اطمأن أن والداه لم يصابا بمكروه.

كنت غاضباً من أبي.

قلت في نفسي:

 "لماذا تفرح ببقائهم؟ ألم يخلع سرواله أمامنا؟ ألم يضرب رأسك بالحجارة؟ ألم يكسر العصا على ظهري؟"


لكنني لم أفهم يومها أن أبي كان أفضل مني.

كان يستطيع أن يفرح بموتهم – وكان له الحق – لكنه اختار القلق عليهم.

اختار أن يبقى ابناً، وإن كان الأب ظالماً.

وهذا ما عجزت عنه أنا لعشرين سنة.


---


. بعد 23 سنة: العمرة التي لن نؤديها


مرت السنوات.

كبرت أنا. كبرت أختي. شاخت أمي.

ومات جدي.

لكنه لم يمت موتة عادية.

قضى أكثرمن 12 سنة وهو مريض بالزهايمر.

الزهايمر... ذلك المرض الذي يسرق الذاكرة قبل أن يسرق الروح.


نعم.

جدي يوسف – الذي كان يتذكر كم حجراً وضع في جداره، وكم مشهدا من الطفولة سلب منا، وكيف يحرق قلوب أحفاده – نسي كل شيء.

أصبح طريح الفراش.

لا كلام. لا آهات. لا صوت.

جسد فقط. يتنفس. يأكل. ينام. يقضي حاجته في فراشه.

وذاكرته التي خانه المرض، بقيت ذاكرة حبيسة في صدورنا نحن.


كنت أزوره أحياناً – شاخصا – مسلوب المشاعر كما سلبني طفولتي و برائتي

كنت أقف أمامه.

أنظر إلى عينيه الزائغتين، إلى وجهه الذي لم يعد يعرفني، إلى شفتيه الجافتين اللتين لم تعد تنطقان باسمي أو لعنتي.

وكنت أسأل نفسي: "هل يعذب الله الإنسان مرتين؟ مرة بالزهايمر، ومرة بالحساب؟ أم أن الزهايمر هو رحمته؟"


في أصول العقيدة، نقول: المرض يكفر الذنوب.

ربما الزهايمر كان تكفيراً لجدي.

ربما الله محى ذاكرته حتى لا يعذبه بتذكر ما فعل.

ربما النسيان كان عذاباً في الدنيا، ورحمة في الآخرة.


لكنني لم أقتنع.

كان صعباً علي أن أرى الجبار القاسي الذي كسر العصا على ظهري يتحول إلى طفل يتبول في فراشه ولا يدري.

كنت أتمنى لو بقي قوياً لأواجهه.

لكنه اختار الانسحاب من المعركة قبل أن تبدأ.

ترك لي ساحة فارغة، وجسده الخاوي، وسؤالي المعلق.


---


. العمرة التي قالوا لن نستطيعها (منذ أشهر)


منذ أشهر فقط – في رمضان الماضي – اعتمرت عمتي.

ثمن العمرة اليوم هو عشرة أضعاف ثمنها في بداية الألفينات.

رجعوا. لم يكن لهم بياض، ولا نور.

ولم يكن لهم في قلبي مكان ، رغم أني أحبها عمتي هذه لأنها صنعت من زوجها الفاشل ثروة .


جدي يوسف كان قد مات لكن روحه القاسية بقيت في أعمامي وعماتي.


بقى من حديثهم بعد العودة جملة واحدة، قالها لي أحدهم – أو قالوها جميعاً – بصيغة الأمر أو التقرير أو التحذير:

"يا أشرف... ما تنجموهاش العمرة أنتم. لا أنت ولا اختك تنجموا تعملوا عمرة لأمكم."


لم يقل أحدهم: "هاتوا فلوس، و نعاونوكم

لم يقل: "خلّوها علينا".

بل قال: "ما تنجموهاش".

أي: لن تستطيعوا. لأنكم فقراء. لأنكم يتامى. لأنكم ليس لكم عندنا شيء.

لم أقل شيئاً.

لم أرد.

لأن الرد كان محسوماً من قبل أن يُفتح الموضوع.

أنا لا أستطيع عمرة اليوم. وهذا حق.

لكن الذي ليس حقاً هو أن يقولوا لي "ما تنجموهاش" وكأنهم يقطعون حبلاً كان يمكن أن يصل.

لم أكن سأطلب منهم شيئاً. لم أكن سأمد يدي.

لكن كان من المفروض أن يقولوا: "لو قدرتوا، نعاونوا".

كان من المفروض أن يصمتوا.

لكنهم تحدثوا. وتحدثوا بكلمة قاسية. كلمة قالها جدي من قبل بطريقته: بالتبان الأبيض وسرواله المسقوط.

نفس القسوة. نفس الجفاء. نفس "اخرجوا من دار بويا" بلغة العصر.

نعم. نحن لا نستطيع جمع أموال اليتامى، ولا قهر الضعفاء، ولا طرد الناس بخلع السراويل.

نحن فقط نستطيع أن نبكي بصمت، ونصلي بخشوع، ونكتب ما نكتب، وننتظر الله الذي لا يظلم مثقال ذرة.

وإذا كان لا بد لعمرة تؤدى، فلتكن دعوة من ظهر الغيب:

"اللهم... إن كان لهذا التبان الأبيض حساب عندك، فحاسب.

وإن كان لهذا الظلم عقاب، فعاقب.

وإن كان لي من الأجر ما يوازي صبري، فأعطني.

وإن كان لا عمرة لنا في الدنيا، فاجعل لنا عمرة في الجنة.

بجوار من قال 'لبيك' حقاً، لا من قالها وتبانه لا يزال ملوثاً بدم أحفاده."


---


. خاتمة هذا الفصل: لبيك... ولكن


"لبيك" كلمة عظيمة.

يقولها الحاج والمعتمر استجابة لنداء الله:

"لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك..."

يعني: أنا حاضر. أنا مجيب. أنا تحت أمرك.


لكن كيف يجيب الله من لم يجب نداء أحفاده؟

كيف يقول "لبيك" لله من لم يقل "لبيك" لطفل يبكي تحت عصاه؟

كيف يطوف بالبيت من لا يطوف بباله رحمة الصغار؟


جدي يوسف قال "لبيك".

مرات عديدة.

واعتمر أكثر من مرة.

لكن تبناه الأبيض ظل عالقاً في ذاكرتي كدليل على أن العمرة لا تطهر قلباً قاسياً، والإحرام لا يغطي سوءة أعمق من سوءة الجسد.

ومات بعد أن نسي كل شيء.

نسي أنه خلع سرواله. نسي أنه ضربني بالعصا. نسي أنه طردنا من داره.

لكننا لم ننس.

والله لم ينس.


أنا اليوم، بعد كل هذه السنين، لم أؤدي العمرة بعد.

ليس لأني لا أستطيع فحسب – بل لأني أخاف.

أخاف أن أقف بعرفة وأتذكر أن جدي وقف في نفس المكان وهو لم يسامحني.

أخاف أن أطوف بالبيت وأرى تباناً أبيض يطاردني.

أخاف أن أقول "لبيك" فيجيبني الله: "وهل أجبته حين ناداك حفيدك؟"


لكنني سأعتمر يوماً. بفضل الله، لا بفضل مال اليتامى.

سأعتمر لأمي التي ظلت أرملة، ولأبي الذي احترق، ولأختي التي صرخت من النافذة، ولي أنا الذي حمل الهرم على صدره.


وسأقول يومها: "لبيك اللهم لبيك".

ولن أخلع سروالي أمام أحد.

ولن أكسر عصا على ظهر طفل.

ولن أقول لأبناء أختي: "ما تنجموهاش".

بل سأقول: "تعالوا نعتمر سوا. أنا أدفع. لأن الله أعطاني، ولم يأخذ مني عقلي ولا قلبي".


سلام على نار أبي التي طهرته.

وسلام على تبان جدي الذي فضحه.

وسلام على البراءة التي ضاعت بينهما.

وسلام على الزهايمر الذي محا ذاكرة جدي، لكنه لم يستطع أن يمحو ذاكرتنا نحن.

وسلام على الأعمام الذين ورثوا القسوة، والذين قالوا لي منذ أشهر: "ما تنجموهاش".

لأنهم لا يعلمون أن العمرة الحقيقية ليست في السفر إلى الحرم، بل في السفر إلى القلب.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire