samedi 30 mai 2026

سلام عليك يا نار أبي الجزء 2

سمّاتني عمة امي فطومة رحمها الله أشرف

كأنها كان تتمنى لي الشرف والزيادة فيه.

لم يعلم يومها أح أن الشرف الحقيقي لا يُمنح، بل يُستخرج من تحت رماد الذاكرة.


وأنا اليوم أكتب هذه السطور، ليس لأني نسيت، بل لأني تذكرت كثيراً.

تذكرت حتى النسيان نفسه.

تذكرت أن ذاكرتي ليست وعاءً، بل هي حقل ألغام.

كل خطوة فيها تفتح جرحاً قديماً، وكل جرح يبعث دخاناً كثيفاً... كثافة أدخنة مكب الزبال، وكثافة دخان نار أبي

يقول طه حسين في "الأيام": "كان طفلًا يشعر بالضيق والألم، ولكنه لا يعرف سبب هذا الضيق وهذا الألم".


أما أنا، فعرفت السبب مبكراً.

عرفت السبب وأنا أبحث بين القمامة.


كان عمري إحدى عشرة سنة، أو ربما اثنتي عشرة.

لا أتذكر العمر بالضبط، فالسنون عند الفقراء ليست أرقاماً، بل هي مراحل من الجوع.

لكنني أتذكر المكان: مكب ولاية صفاقس.

أتذكر رائحته التي لا تشبه أي رائحة في الدنيا. رائحة خليط من البلاستيك المحترق، والخضار المتعفن، والحديد الصدئ، وفضلات المصانع.

وفي قلب هذه الرائحة، كنا نحن: أطفال الفقراء، و آبائهم " البرباشة" 


البرباشة... كلمة صفاقسية جميلة. هههه

تعني كل ما تخلص منه الناس مما يمكن استعماله ثانية: قطع قماش من معامل الخياطة، أزرار، خيوط، أحياناً ألعاب مكسورة، وأحياناً أحذية ممزقة.

كنا نجمعها لنبيعها أو نستعملها.

كانت أمي تستعملها لترقيع ثيابنا، وأحياناً لتصنع لنا شيئاً نلبسه.


أنا لا أخجل من هذا. الآن لا أخجل.

لكنني يومها كنت أخجل.

كنت أخجل أن يراني أحد من زملاء المدرسة وأنا أخرج من المكب.

كنت أخجل أن تعرف سيدتي "ليليا" أن تلميذها يبحث في الزبالة.

كنت أخجل من الاسم الذي يحمله أبي: "مزيد".

 ونحن نبحث في الزبالة؟

لكن الحقيقة أن "عالم البرباشة" كان مدرستي الأولى.

هناك تعلمت أن الدنيا لا ترحم.

هناك تعلمت أن البشر ينقسمون إلى قسمين: من يرمي، ومن يُرمى له.

هناك تعلمت أن قيمة الأشياء ليست في جوهرها، بل في حاجة الناس إليها.


وقديماً قال الجاحظ: "الآفة الكبرى أن تحتاج إلى ما عند الناس".

وأنا يومها كنت 

محتاجاً إلى كل شيء عند الناس.

من ينقذ طفلاً من المكب؟

لا أحد. إلا معلمة تؤمن بأن هذا الطفل يمكن أن يصبح شيئاً آخر.


سيدتي ليليا.

ما زلت أذكرها كأني أرها الآن.

محجبة في زمن كان فيه الحجاب ممنوعاً في المدارس.

كانت تراقبها الرقابة، وكانت تصلّي سراً، وكانت تخاف الله ولا تخاف الناس.


حين رأتني في صفها بالسنة السادسة ابتدائي، لم ترَ طفلاً فقيراً يبحث في الزبالة.

رأت طفلاً ذكياً يضيع في وحل الظروف.

فقررت أن تنتشلني.


وكانت طريقتها في الإنقاذ عنيفة بعض الشيء: البركال الخشبي.

نعم... بركالها الخشبي الذي كانت تحمله كالسيف.

كانت تضربني به إن لم أحفظ قواعد اللغة.

وكانت تضربني به إن أخطأت في الإملاء.

وكانت تضربني به حتى أتذكر أن الفقير عليه أن يكون أفضل من غيره ليُقبل في هذه الحياة.


لكن العنف لم يكن كل شيء.

كانت تصنع لي الفشار كي لا أملّ من الدروس الخصوصية المجانية

كانت تضع صحناً من الغلال أو الحلويات إلى جانبي.

كانت تستقبلني في ڨراج منزلها، بعيداً عن أعين الرقابة التي تمنع الدروس الخصوصية.


وأنا كنت أحاسب أضعاف زملائي.

عقابان: واحد في القسم، وآخر في الڨراج.

لكنني كنت أعشق تلك العقوبات.

لأنها كانت تعني أن أحداً يهتم بي.

أن أحداً يرى فيّ مستقبلاً.

أن أحداً لا يريدني أن أبقى في المكب.


يا سيدتي ليليا...

أين أنت الآن؟

لقد كبرت ذاكرتي ووهنت، وبدأ الشيخوخة تتسلل إليها.

لم أعد أحفظ ما كنت تحفظينه لي.

البقرة وآل عمران بدأتا تتساقطان من رأسي كأوراق الخريف.

القرآن الذي أتممت حفظه يهرب مني كلما تقدمت بي السنون.

لأن الذاكرة لا تحتمل كثيراً... ولا تحتمل دخان الماضي الكثيف.


فليتكِ هنا الآن... ومعك بركالك الخشبي.

لتضربني به على رأسي.

لعل الضربة تعيد إليّ ما استلبته مني النار.


لعل الألم يذكرني بالكلمات التي هربت.

لأنني صرت أعرف الآن:

الألم مدرسة، والبركال معلم، وسيدتي ليليا هي أعظم من علمني أن أنجو.

صرخت: "هاتوا ماء! هاتوا سطل ماء"

لكن الماء لا يأتي بسرعة.

والنار أسرع من الدعاء.

وأبي يتدحرج على الأرض، والنار تأكله.

وأنا أركض خلفه... وأحاول أن ألمسه... فأحترق أصابعي.

وأختي تصرخ من النافذة... وأمي لا أدري أين ذهبت.

والناس... لا أدري من أين أتوا... يتجمعون كالذباب على جثة لم تمت بعد.


ذلك اليوم... صباح ذلك اليوم... كنا نبحث عن حجارة لترقيع جدار.

وذلك المساء... كنا نبحث عن حياة لترقيع روح.

ومضات حياة و ذاكرة ليس لها حق شرعي

في اليوم الموالي هو أول يوم في الأسبوع المغلق للسنة التاسعة اعدادي

قيل لي: "أبوك في المستشفى، لكن الامتحان لا ينتظر".

ذهبت إلى المعهد.

كنت أمشي في الشارع... وأشعر أن ألف عين تنظر إلي.

ليس تعاطفاً... بل فضولاً.

كلهم يريد أن يعرف: "كيفاش صارت الحكاية؟"


في الحافلة، كان الركاب يتغامزون ويتنابزون.

محطة دارنا... المعهد... قاعة الامتحان.

في كل مكان، أشعر أنني تحت مجهر.

حتى وأنا جالس على طاولة الامتحان، كنت أشعر أن الأسئلة في الورقة أقل فضولاً من نظرات الناس.


ثم جاء "الروج" - القيم العام للمعهد.

أخرجني من القسم.

سألني: "لاباس بوك تو؟"

قلت: "لاباس".

قال: "وانت لاباس؟"

قلت: "لاباس".

ثم وضع يده على كتفي: "يالا... ما تعملش شين في بالك... اتلهى بامتحانك".

عدت إلى القاعة.

أمسكت القلم.

لكن يدي كانت ترتجف.

ليس من الخوف من الامتحان... بل من الذاكرة التي كانت تصر على أن تريني وجه أبي وهو يحترق.


امتحنت ذلك اليوم.

لا أذكر كيف كانت النتيجة.

لكني أذكر أنني كتبت في ورقة الإجابة كلمات لا علاقة لها بالأسئلة.

كتبت: "أنا أشرف مزيد... وأبي يحترق... فماذا تريدون مني؟"

ثم شطبتها.

وكتبت الإجابات الصحيحة.

لأن سيدتي ليليا علمتني أن النجاح هو أقوى انتقام من الظروف.


في أصول العقيدة 

نقول: إن العبد يكسب الفعل، والله يخلقه


هذا الكلام جميل ونظري.

لكنه يصعب تطبيقه وأنت ترى أباك يحترق.

كنت أسأل نفسي في المستشفى: "هل الله خلق هذا الاحتراق؟"

وكنت أجيب: "نعم، بقضائه وقدره".

ثم كنت أسأل: "فلماذا يؤاخذ أبي على محاولة الانتحار؟ أليس الله هو الذي خلق فيه الرغبة في الانتحار؟"

وكنت أتوقف.


لا يمكنني أن أجيب.

لا يمكنني أن أقول: "الله فعل ذلك". لأن في هذا تبرئة لأبي.

ولا يمكنني أن أقول: "أبي فعل ذلك بمحض إرادته". لأن في هذا نفي لقضاء الله.


وأنا خطيب جمعة اليوم... ومازلت أتوقف عند هذا السؤال.

لأنه سؤال كل مبتلى.

وسؤال كل إنسان رأى النار تأكل جسد من يحب.


لكنني توصلت إلى شيء:

أن الله خلق النار، وخلق البنزين، وخلق يد أبي التي صبت البنزين، وخلق الولاعة التي أشعلته.

كل ذلك خلق من خلق الله.

لكن الله خلقها لحكمة لا نعلمها.

ربما ليُظهر قدرته على الشفاء بعد الاحتراق.

وربما ليُظهر صبرنا بعد البلاء.

وربما ليُظهر أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء.


أنا لم أصل إلى يقين في هذا.

لكنني آمنت.

آمنت أن الله لا يظلم الناس شيئاً.

آمنت أن ما أصابني لم يكن ليخطئني، وما أخطأني لم يكن ليصيبني.

آمنت أن وراء هذا البلاء خيراً لو كنت أعلم.


وهذا هو الفرق بيني وبين من لم يعانوا.

هم يؤمنون بالله نظرياً.

أما أنا فأؤمن به تجريبياً.

اختبرته في النار... فوجدته معي.

اختبرته في اليتم... فوجدته أبي.

اختبرته في الفقر... فوجدته غناي

من أنا 

أنا هو.

أنا الذي رأى أباه يحترق فأصر على الحياة.

أنا الذي حفظ البقرة وآل عمران ثم بدأ ينساهما، لكنه لم ينسَ الله أبداً.

أنا الذي غشاه دخان الماضي كثافة دخان المكب، لكنه مازال يرى نوراً في آخر النفق.

أنا خطيب الجمعة الذي بكى في السر وصلّى في العلن.

أنا الذي قال لعمته عن الميراث: "كل دقيقة يتم لا تعوّضها أموالكم"، فلم يفهموا.

أنا الذي ما زال يفتقد سيدتي ليليا وبركالها الخشبي، لأن الضرب كان أهون من الفراغ.


أنا أشرف مزيد.

وهذه ذاكرتي.

ليست أجمل من ذاكرة غيري، لكنها لي.

أنا صانعها وهي صانعتي.

سأحملها إلى القبر، وسأقول لربي يوم ألقاه:

"إلهي... شكراً لأنك ابتليتني.

لولا البلاء ما عرفت قدر النعماء.

ولولا النار ما عرفت قيمة الاسلام

ها أنا قد كتبت.

كتبت عن البرباشة، عن السيدة ليليا، عن جدي يوسف وسرواله، عن صباح الأحد 28 ماي، عن اليوم الأول من الامتحان، سأكتب عن عمي الكبير بين نارين، عن فلسفتي التي تحترق ولا تحترق


لم أنته بعد.

هذا كتاب لم يكتمل.

لأن الذاكرة لا تكتمل طالما صاحبها حي.

وكل يوم يمر، تضاف صفحة جديدة.

كل ذكرى، كل امتحان، كل خطبة جمعة، كل نظرة فضولية، كل مكسب مالي يُنقص من ميراثي أو يُزاد.


سأكمل.

بإذن الله سأكمل.

لأن في الكتابة خلاصاً.

لأن في الاعتراف بالألم شجاعة.

لأن في قول "أنا تألمت" بداية طريق الشفاء.


وأنت يا قارئ...

إن مررت بهذه السطور، فلا تبك علي.

فأنا لست بحاجة لدموعك.

أنا بحاجة لدعوة صادقة تقول:

"اللهم اغفر لأشرف ما مضى، وثبته فيما بقي، واجمع به بين أبيه في الجنة كما فرقت بينهما النار في الدنيا"

امي انت ذخري

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire